السيد محمد باقر الصدر

54

بحوث في علم الأصول

تكون الباعثية باعثية مطلقة ، هذا كله بناء على الالتزام بوجود مرحلتين في عالم الثبوت هما : مرحلة الملاك ، ومرحلة الإرادة والشوق . وأمّا إذا التزمنا في عالم الثبوت بوجود مرحلة ثالثة اسمها « الجعل والاعتبار » ، حينئذ يقع البحث ثبوتا في حقيقة الواجب المشروط بلحاظ مرحلة الجعل والاعتبار . ولكن قبل الدخول في بحث حقيقة الواجب المشروط بلحاظ مرحلة الجعل والاعتبار ، ينبغي أن نوضح إشكالا سابقا في برهان النظرية الأولى مع جوابه ، حيث أنهم كانوا قد ذكروا هناك : بأن المولى ، قبل أن تتحقق الاستطاعة والعطش خارجا ، فهو يصدر الخطاب ، مع أن الخطاب إنما يصدره المولى توصلا إلى مراده ، واستطراقا إلى مطلوبه ، وهذا يكشف عن فعلية الإرادة ، وقد أجبنا هناك بجواب إجمالي حيث قلنا إنّ صدور الخطاب - كما ذكر - إنما كان من باب المقدمات المفوّتة . ولكن تفصيل هذا الجواب الإجمالي ، هو أن يقال : إنّ صدور الخطاب من المولى قبل الاستطاعة والعطش ، إنما كان بمحركية الإرادة الثانية لا الأولى ، حيث قلنا فيما تقدّم : إنّ المولى له إرادة فعلية مطلقة متعلقة بجامع « أن لا يوجد عطش لا ماء معه » . ومن الواضح أنه لو لم يجعل هذا الخطاب من أول الأمر ، إذن فسوف يوجد عطش لا ماء معه ، وحينئذ ، فباعتبار التحفظ من ناحية هذه الإرادة الفعلية غير المنوطة يصدر الخطاب ، فالخطاب إذن من شؤون محركيّة الإرادة الثانية دون الأولى . 3 - المرحلة الثالثة : من مراحل الحكم هي مرحلة الجعل والاعتبار بعد مرحلتي الملاك والإرادة ، وهذه المرحلة وإن لم يكن لها أي أثر في مقام الثبوت ، لأن تمام الأثر في نظر العقل إنما هو عالم الملاك والإرادة مع تصدّي المولى لإبرازهما وتحصيلهما ، ولكن رغم هذا فقد يقال إنّ هذه المرحلة هي صياغة عقلائية